ملا محمد مهدي النراقي
175
جامع الأفكار وناقد الأنظار
الاعتبار لا مطلقا ، كما أنّ وجود العالم ممكن بالنظر إلى ذاته واجب بالنظر إلى مشيته . كذلك عدم العالم ممكن بالنظر إلى ذاته ، لكن بالنظر إلى عدم المشية ممتنع لأنّ عدمه مستند إلى وقوع عدم المشيّة ، ووقوعه ممتنع عندهم ، فيصحّ بهذا الاعتبار انّ عدم العالم ممتنع . وأيضا المقدّمتان هما المشية وعدم المشية لا وجود العالم وعدمه ؛ انتهى . ووجه الفساد : انّ القدرة عبارة عن امكان الطرفين بالنظر إلى ذات العلّة لا بالنظر إلى المعلول ، فإذا وجب الفعل بالنظر إلى المشية - الّتي هي عين الذات - كان الفعل واجبا بالنظر إلى ذات الواجب وكان مقدّم الشرطية الأولى واجبا ، فلا يتأتّى القول بامكان الطرفين بالنظر إلى ذات العلّة ، فترتفع القدرة بالمعنى المذكور ؛ والامكان بالنظر إلى المعلول لا يفيد هذا . وعندنا انّ الايجاد لأجل كونه حسنا ونفعا للغير لا يوجب غرضا يحصل به الاستكمال ، بل يجب الاعتقاد بكون فعله كذلك - كما ثبت من الشريعة النبويّة - ، فالواجب - تعالى شأنه - فياض مطلق وجواد بالحقّ ، والجود عين ذاته بمعنى أنّ ذاته منشئا له ، إلّا انّ فعله وتركه كلاهما ممكنان بالنظر إلى ذاته . ولكنه يختار الفعل لكونه حسنا وصلاحا . وباختياره يجب الفعل ويمتنع الترك ، فانّ اختيار وجود النظام الأصلح لكونه أصلح بعد قدرته على الترك وإن اقتضى الداعي ، إلّا انّه لا يوجب النقص والاستكمال . وكيف ينكر العاقل كون ايجاد العالم لأجل اشتماله على الحكم والمصالح الراجعة إلى النظام الأصلح ؟ ! ، وكيف ينكر أنّ ترجيح الوجود لأجل اشتماله على تلك المصالح بعد العلم بها ؟ ! ، فمن كحّل بصيرته بنور المعرفة ونظر إلى نظام العالم لوجد اشتماله على الحكم « 1 » الغريبة والمصالح العجيبة ووضع كلّ شيء في موضع يليق به واعطاء كلّ شيء كلّما يصلح لحاله على ما تكلّ ثواقب الأفهام عند ادراك قليله وتضلّ صوائب الأوهام في نيل يسيره ! . وهذا ظاهر لمن تأمّل في الأفلاك والنجوم وحركاتها ، وفي الأرض وما اشتملت عليه من الحيوان والنبات والجماد ، وفي خلق الحيوانات سيّما الانسان / 37 DB / وما اشتمل عليه من دقائق الصنع وعجائب الحكمة -
--> ( 1 ) - الأصل : الحكمة .